التخلف .. وبراءة الشيطان .. ؟
كتبهاتركي الأكلبي ، في 1 مارس 2009 الساعة: 18:32 م
التخلف .. وبراءة الشيطان .. ؟
التخلف هو التأخر عن أدنى مستوى حققه المتقدمون في أي مجال من مجالات الحياة المعاصرة بما في ذلك إعمال العقل أو التوقف عند مستوى متدني من إنجازات العصر .
والمتخلفون نوعان :
متخلف يلعن التخلف لأنه لا يملك أدوات التقدم .
ومتخلف يتمسك بتخلفه ويعظ عليه بالنواجذ رغم إمكانات التقدم التي يملكها .
فإلى أي نوع من التخلف ينتمي هؤلاء .. ؟ :
1- المنشأة الطبية العامة التي تجعل أقصى اهتمامها تواجد طبيب واحد لعدد ( غير محدد ) من المواطنين ، والخضوع خضوع المستسلم لقدره لإجراءات البيروقراطية وروتينها المعتاد في تعاملها مع المرضى والمراجعين في الوقت الذي أصبح فيه استخدام تقنية الاتصال والمعلومات متاح وميسر .. بل ومن السهل تسخيرها لتحقيق مستوى أفضل للصحة كهدف من أهداف الدولة العليا ..
2- المعلم الذي لا يزال يعلم طلابه على منهج ” الكتاتيب “
وأساليبها التعليمية وكأنه يمارس صنعة يدوية أمام الزوار في
معرض الجناديرية التراثي . ثم لا ينس استعراض مهاراته في ضرب الطلاب والرجوع لفنون الأولين في ذلك حيث كان الضرب
بما يسمى ” الفلكة ” ابتكارا متقدما في الزمن الغابر !!
ولم يعي بعد أن العقاب بالضرب أو التهديد به والتسلط وفرض الرأي الواحد أساليب تعليمية فاشلة لا تخرج إلا متعلمين فاشلين ولا يمارسها إلا معلم فاشل في مؤسسات تعليمية فاشلة .
3- المقرر التعليمي الذي لا يزال يحتوي على تفاصيل انقطاع الطمث ” الحيض ” عند المرأة ، وسن اليأس ، ومتى تصلي ، ومتى لا تصلي ، ومتى تظهر عند الفتاة علامات بلوغ سن الزواج . وتدرس كل هذه التفاصيل للطلاب ، ويحصد المتفوق في ( حفظها ) أعلى الدرجات في وقت تعلّم فيه الأمم المتقدمة طلابها كيف يصنعون منتجا ينتفعون به وينفعون أمتهم !!
4- الجامعة التي لا تزال تنظر للمجتمع كعبء يضخ في وعائها كل عام قطيع من الطلاب والطالبات ، وليس عليها أكثر من تخريجهم
( أميون ) بشهادات تعليمية .. والأكاديمي الذي ينظر لدوره الجامعي كموظف يقبع على كرسي البيروقراطية . ومن هذه النظرة وذلك الدور القاصر يظل الانفصام قائم بين الجامعة والمجتمع كأسوأ سلبية لدور الجامعة في بيئتها المحيطة عبر التاريخ وهو الأمر الذي يخالف أسياسيات مهام الجامعة في العالم ومن أهمها احتضان العقول التي قادت نهضة وتقدم مجتمعاتها .
5- الواعظ الذي يظهر كل يوم في قناة فضائية ، وعبر مختلف منابر الوعظ جاعلا من مفهوم ” الدعوة ” رسالة تجديدية ، فيدعو المسلمين للإسلام وكأننا ما نزال في زمن انتشار ما يسمى بالشركيات .
والبعض من أولئك الواعظون أو المحدثون والدعاة يلقي خطبته
أو محاضرته الدعوية بتحفز وتشنج وانفعال نفسي ، وبتضخيم لمخارج الصوت ، وبانتقاء لأشد المفردات والعبارات إثارة للخوف ووصفا لأهوال للعقاب .
والبعض الآخر يستشهد بنصوص لا علاقة لها بالموضوع الذي يتحدث عنه ككثير من النصوص التي توعد الله في مضمونها وسياقها المشركين والكفار والمنافقين .
وبدلا من سعي الواعظ للاستفادة من الإمكانيات المتاحة لتطوير ذاته ولو بالحد المقبول علميا وفكريا وثقافيا ومعرفيا يظل يستقي ثقافته ومعلوماته من شيخه الأكثر حفظا للنصوص الدينية ليعيد قراءتها كما هي في ظاهرها ، ومن كتب التراث التي لا يتناسب معظم محتواها إلا مع واقع العصر الذي دونت فيه ليعيد شرحها كما كان يرى أصحابها في عصرهم .
كل ذلك يحدث في الوقت الذي أصبح فيه على كل واعظ ومحدث وشيخ وداعية أتيح له منبر إعلامي مسؤولية كبرى تجاه أخوانه المواطنين وقضاياهم وهمومهم اليومية ومشكلاتهم وتنمية وعيهم بما لهم وما عليهم .
على أن ذلك لا يعني تخلي الداعية أو الشيخ أو الواعظ عن الإفتاء في المسائل الفقهية مثل المعاملات الشخصية والزواج والطلاق ومبطلات الفرائض وتداخلها مع معطيات العصر ومتغيراته ، فتلك مسؤولية أيضا تنطوي على تفقيه الناس في أمور دينهم ودنياهم ، والله تعالى يقول ” وذكر أن الذكرى تنفع المؤمنين ” الآية .
ولكن ما يؤخذ على أولئك هو :
أ– انتشار ظاهرة الحديث عن القصص المخيفة والمرعبة والتهويل الشديد لبعض المخالفات المختلف في أحكامها ، وابتكار أساليب دعوية جديدة غير واقعية وكثير منها أشبه ما يكون بحكايات الأساطير . وكأن الواعظ لا يدرك تأثير انفجار تكنولوجيا المعلومات على الوعي وتعدد مصادر المعرفة وتنوع الانتماءات المعرفية .
ب– الانغلاق على قضية واحدة هي ” تديين ” العامة وتعميم القضية وإحاطتها بهالة من التضخيم والتهويل .
ج – إغفال الواعظ أو الداعية بشكل واضح ” الدعوة ” والترغيب في تعلم وتطبيق نتاج العلوم الطبيعية والعلمية والإنسانية والتكنولوجية وكأنه يعيش الاغتراب في مجتمع وزمن تداخلت فيه المتغيرات وترابطت فيه الإشكالات وتعاظمت فيه سلبيات
” المسكوت ” عنه مما يمس حياة المواطن وقيمته الذاتية وحقوقه وحريته ودوره الاجتماعي والاقتصادي والثقافي .
د– الانشغال وإشغال الناس بمسائل خلافية وآراء ماضوية ، ومحاربة الاختلاف في الآراء ومخالفتها للفكر والاعتقاد والرأي الواحد السائد على الساحة الفكرية ، والانشغال وإشغال الناس بمقولة : هذا إسلامي وهذا علماني وذاك ليبرالي ، وترك قضايا الناس الأساسية مثل انتشار الفقر والأمراض وأسبابها الواضحة ، والتخلف وانعدام الوعي لدى عامة الناس ، وانفراد المسؤول عن خدمة المواطنين بالتحكم بمصائرهم ، وتغليب ثقافة الانهزام والمسكنة ، والاستسلام ( لقضاء وقدر ) المسؤول ، وتشجيع عوامل نظرة المواطن الدونية تجاه ذاته ، وعدم قدرته على إبداء آرائه ، وحرمانه من المشاركة في صياغة كل ما يخص مصيره ومعيشته ، وزرع الخوف في نفسه باستخدام عادة النفي والتهوين لمعاناته وإظهاره بمظهر المهول للأمور والجاهل بالأنظمة وإغفال وجوده كعنصر من أهم العناصر الأساسية التي يقوم عليها الكيان بكامله .
خلاصة القول :
مجتمع يمتلك أسياسيات التقدم والتطور ومن أهمها :
المال والعقول والتقنية ومع ذلك يتخبط
” كمن يتخبطه الشيطان من المس “
اعتقد أن أعمدة التخلف فيه لا تقوم لها قائمة في غير ظل التخلف وحين تنظم النمور الآسوية إلى العالم الأول سيقول تخلفنا :
” أني أبرأ إلى الله منكم ” كما يتبرأ الشيطان ممن كان له عليه سلطان …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























